تصاعد الجدل في مصر حول التوسع السريع في نشاط التمويل الاستهلاكي، بعد تحذيرات أطلقها مصرفيون وخبراء ماليون بشأن مخاطر منح قروض دون ضمانات كافية، في وقت تؤكد فيه شركات التمويل أن القطاع يخضع لرقابة مشددة وأن مخصصات التعثر تصل إلى 12% من المحافظ التمويلية.
وجاءت التحذيرات عقب تصريحات للرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي هشام عز العرب، شبّه فيها مخاطر التوسع غير المنضبط في التمويل الاستهلاكي بعبارة “معظم النار من مستصغر الشرر”، في إشارة إلى القلق من تضخم الديون الاستهلاكية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
نمو سريع للقطاع وملايين العملاء
بحسب بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، بلغت قيمة التمويلات الاستهلاكية خلال يناير الماضي نحو 8.5 مليار جنيه، مقارنة بـ5.5 مليار جنيه في الشهر نفسه من العام السابق، فيما ارتفع عدد العملاء إلى 1.2 مليون عميل.
كما تجاوز حجم محافظ التمويل غير المصرفي 417 مليار جنيه، مع أكثر من 9.8 مليون عقد تمويلي، بينما بلغ عدد شركات التمويل الاستهلاكي المرخصة 48 شركة، بإجمالي تمويلات تخطت 96 مليار جنيه، بنمو سنوي بلغ 57%.
تحذيرات من مخاطر التعثر
حذر نائب الرئيس التنفيذي للمصرف المتحد فرج عبد الحميد من تساهل بعض الشركات الناشئة في منح الائتمان بهدف التوسع السريع وزيادة الحصة السوقية، مطالبا بتشديد الرقابة والاستعلام الائتماني لتجنب أزمات تعثر واسعة.
كما اعتبرت نائب رئيس بنك مصر السابقة سهر الدماطي أن اعتماد شركات التمويل على تمويلات مصرفية يربط أي ارتفاع في التعثر مباشرة بالقطاع البنكي، محذرة من ارتفاع أعباء الديون مع مستويات الفائدة المرتفعة.
وأضافت أن بعض الشركات تعتمد على “آليات فحص بدائية” لا تتضمن تقييمًا كافيًا للدخل والقدرة الحقيقية على السداد، مقارنة بالبنوك التي تشترط ضمانات واضحة وإثبات دخل ثابت قبل منح القروض.
“بازل 3” ورقابة أشد
في مواجهة المخاوف، بدأت الهيئة العامة للرقابة المالية تطبيق معايير مستوحاة من قواعد “بازل 3” على شركات التمويل غير المصرفي، بهدف تعزيز كفاية رأس المال وإدارة السيولة والمخاطر الائتمانية.
وتُلزم هذه المعايير المؤسسات المالية بالاحتفاظ بمستويات رأسمالية ومخصصات كافية لمواجهة حالات التعثر والتباطؤ الاقتصادي، وهي قواعد طُبقت عالميًا بعد الأزمة المالية في 2008 لتعزيز استقرار القطاع المالي.
شركات التمويل: لدينا مخصصات وضوابط صارمة
من جهتها، دافعت شركات التمويل الاستهلاكي عن نموذج أعمالها، مؤكدين أن القطاع لا يعتمد على ودائع العملاء وبالتالي لا يواجه مخاطر سيولة مشابهة للبنوك.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة “سهولة” التابعة لبنك مصر أحمد الشنواني إن الشركات تحتفظ بمخصصات إلزامية تتراوح بين 10% و12% من المحافظ التمويلية لمواجهة احتمالات التعثر، مضيفًا أن أي عملية تمويل تمر عبر دراسة دخل العميل والاستعلام الائتماني وتقييم عبء الدين.
وأشار إلى أن البنوك نفسها تراجع سياسات الإقراض والتحصيل قبل تمويل شركات التمويل الاستهلاكي، ما يفرض رقابة غير مباشرة على أداء القطاع.
مطالب برلمانية بمراجعة التشريعات
في السياق نفسه، تقدم النائب والخبير الاقتصادي محمد فؤاد بطلب إحاطة لرئيس الوزراء لمراجعة مدى كفاية قانون التمويل الاستهلاكي الصادر عام 2020، وتقييم المخاطر الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن التوسع السريع في التمويل الرقمي والاستهلاكي.
وقال فؤاد إن المطلوب ليس وقف النشاط، بل ضمان “الإقراض العادل” ومنع تحول بعض المنتجات التمويلية إلى دوامة ديون مستمرة، مشيرًا إلى وجود تفاوت واضح في معدلات التعثر بين الشركات.
وأضاف أن بيانات البنك المركزي أظهرت ارتفاع نسبة القروض غير المنتظمة بشركات التمويل الاستهلاكي من 5.8% في 2023 إلى 6.6% في 2024، ما يثير تساؤلات بشأن منهجيات احتساب التعثر ومستويات المخاطر الحقيقية داخل القطاع.




