انخفضت مخزونات النفط العالمية بنحو 4.8 مليون برميل يومياً خلال أقل من شهرين، مع استمرار تداعيات حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، في تطور يعكس تآكل “وسادة الأمان” التي يعتمد عليها السوق العالمي لامتصاص صدمات الإمدادات، وفق تقديرات بنوك ومؤسسات مالية دولية.
ويأتي هذا الانخفاض السريع منذ بدء الحرب في 28 فبراير، مع لجوء دول كبرى إلى سحب كميات ضخمة من الاحتياطيات لتعويض اضطراب الإمدادات القادمة من الخليج العربي بعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز.
استنزاف سريع للمخزونات العالمية
بحسب تقديرات بنك “مورغان ستانلي”، تراجعت المخزونات العالمية بنحو 4.8 مليون برميل يومياً بين 1 مارس و25 أبريل، شكّل النفط الخام نحو 60% منها، في واحدة من أسرع وتيرة سحب من المخزونات في السنوات الأخيرة.
وقالت ناتاشا كانيفا، رئيسة أبحاث السلع العالمية في “جيه بي مورغان تشيس”، إن المخزونات “تعمل كصمام أمان للنظام النفطي العالمي، وعندما تنفد يصبح تعويضها سريعاً أمراً بالغ الصعوبة”.
وأشارت إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يدفع مخزونات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى “مستويات ضغط تشغيلي” مطلع الشهر المقبل، قبل أن تصل إلى “حدود التشغيل الدنيا اللازمة” بحلول سبتمبر.
تحذيرات من مستويات حرجة
أظهرت تقديرات “جولدمان ساكس” تباطؤاً طفيفاً في وتيرة السحب مؤخراً، مرجعاً ذلك إلى ضعف الطلب من الصين، أكبر مستورد للنفط عالمياً، ما أتاح بعض الإمدادات الإضافية للمشترين الآخرين.
ومع ذلك، حذّر البنك من أن المخزونات العالمية المتاحة تقترب من أدنى مستوياتها منذ عام 2018.
وتسيطر الحكومات على الجزء الأكبر من المخزونات العالمية بشكل مباشر أو عبر إلزام القطاع النفطي بالاحتفاظ باحتياطيات استراتيجية، إلى جانب مخزونات تجارية تحتفظ بها شركات الإنتاج والتكرير والتجارة.
الولايات المتحدة عند أدنى مستويات تاريخية
في الولايات المتحدة، تراجعت المخزونات إلى ما دون متوسطاتها التاريخية مع ارتفاع الصادرات نتيجة تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط.
وأظهرت بيانات حكومية انخفاض المخزونات، بما في ذلك الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، على مدى أربعة أسابيع متتالية، بينما هبطت مخزونات المشتقات إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2005، واستقرت مخزونات البنزين قرب أدنى مستوياتها الموسمية منذ 2014.
ورغم زيادة الإنتاج المحلي، حذر مسؤولون تنفيذيون في قطاع الطاقة من استمرار الضغوط على المخزونات في المدى القصير.
تأثيرات تمتد إلى الاقتصاد العالمي
أدى الصراع الإيراني الأمريكي إلى ارتفاع أسعار النفط والوقود، ما زاد الضغوط التضخمية ورفع مخاطر الركود العالمي، إلى جانب اضطرابات في أسواق عدة، شملت نقص غاز البترول المسال في الهند وإلغاء رحلات جوية، وارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة.
وقال محللون إن تراجع الاستهلاك العالمي يعود جزئياً إلى اضطرابات الإمدادات وجزئياً إلى ارتفاع الأسعار، لكن قرب المخزونات من مستويات حرجة قد يدفع الأسعار إلى مستويات تكبح الطلب بشكل أكبر.
وقالت إيمير بونر، المديرة المالية لشركة “شيفرون”: “تم استنفاد الكثير من المخزون والطاقة الإنتاجية الفائضة بالفعل، وقد نشهد نقصاً حاداً في بعض الدول المستوردة خلال يونيو ويوليو”.
مخاطر نقص إقليمي
قال فريدريك لاسير، رئيس الأبحاث في شركة “جونفور”، إن آسيا قد تكون الأكثر عرضة للأزمة، مع احتمالات نقص في البنزين في دول مثل باكستان وإندونيسيا والفلبين، بينما قد تواجه أوروبا تداعيات لاحقة إذا استمر إغلاق مضيق هرمز.
وتشير تقديرات “جيه بي مورجان” إلى احتمال انخفاض الطلب العالمي بنحو 5.6 مليون برميل يومياً بين يونيو وسبتمبر، ما قد يخفف بعض الضغوط.
لكن محللين آخرين يرون أن هامش الأمان في النظام النفطي العالمي لا يزال أعلى مما تقدره بعض المؤسسات، مع احتمال أن يسهم أي تراجع إضافي في الطلب في إعادة التوازن للأسواق.




