في وقتٍ أعادت فيه التوترات الإقليمية رسم الخريطة الأمنية للشرق الأوسط خلال العام الماضي، عززت القاهرة وباريس شراكة تمتد جذورها لأكثر من ثلاثة عقود، قامت على التدريبات العسكرية المشتركة، وصفقات التسليح، ونقل التكنولوجيا الدفاعية، وصولاً إلى تعاون استراتيجي برز بوضوح خلال أزمة عام 2026، عندما دفعت فرنسا بقواتها وطائراتها وحاملة طائراتها إلى شرق البحر المتوسط في واحدة من أكبر عمليات الانتشار العسكري الفرنسي خارج أوروبا في السنوات الأخيرة.
وتظل مصر إحدى الركائز العسكرية الأساسية في المنطقة، إذ تمتلك أحد أقوى الجيوش العربية وأكثرها جاهزية. ومع تصاعد الأزمات الإقليمية، حرصت القاهرة على بناء شبكة واسعة من الشراكات الدولية دون التفريط في استقلالية قرارها الوطني، فيما تبرز فرنسا باعتبارها أحد أقرب شركائها الاستراتيجيين وأكثرهم حضوراً على المستويين العسكري والسياسي.
صداقة تمتد لثلاثة عقود
لم تولد العلاقات المصرية الفرنسية مع الأزمات الراهنة، بل تأسست على عقود من الثقة المتبادلة والتعاون العسكري والدبلوماسي، إضافة إلى توافق الرؤى بشأن أهمية الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط والبحر المتوسط.
ومنذ عام 1994، تنفذ القوات البحرية المصرية والفرنسية مناورات “كليوباترا” البحرية المشتركة بشكل منتظم، في واحدة من أطول برامج التعاون العسكري المستمر بين البلدين، وهو ما أسهم في ترسيخ مستوى عالٍ من التنسيق العملياتي بين القوات المسلحة في البلدين.
وشهدت العلاقات نقلة نوعية في أبريل 2025، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة، حيث أعلن البلدان رفع مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة.
وفي أبريل 2026، عقدت القاهرة وباريس أول جولة رسمية للحوار الاستراتيجي، برئاسة كبار مسؤولي وزارتي الخارجية، لمراجعة مسارات التعاون في مجالات الأمن والهجرة والتجارة وإدارة الأزمات الإقليمية.
كما عاد الرئيس ماكرون إلى مصر في مايو 2026 لافتتاح الحرم الجديد لجامعة سنغور برفقة الرئيس عبد الفتاح السيسي، واصفاً العلاقات بين البلدين بأنها “تحالف من أجل السلام والاستقرار”.
وأصبحت اللقاءات المتكررة بين الرئيسين، والتي تجاوزت ثلاثة اجتماعات خلال ما يزيد قليلاً على عام، مؤشراً على وجود حوار سياسي مباشر يقوم على رؤية مشتركة تعتبر استقرار الشرق الأوسط والبحر المتوسط مصلحة استراتيجية لا يمكن التهاون بها.
بناء القدرات العسكرية المصرية
لم تكن الشراكة الدفاعية بين القاهرة وباريس مجرد صفقات تسليح، بل امتدت إلى تطوير القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية المصرية.
في الجو
تشغل القوات الجوية المصرية 54 مقاتلة من طراز رافال، لتصبح مصر واحدة من أكبر مشغلي هذه المقاتلة الفرنسية خارج فرنسا، بما يمنحها قدرات متقدمة في التفوق الجوي، والضربات الدقيقة، والاستطلاع وجمع المعلومات.
في البحر
ساهمت فرنسا في إحداث نقلة كبيرة داخل البحرية المصرية من خلال:
* حاملتي المروحيات من فئة ميسترال.
* الفرقاطة متعددة المهام FREMM.
* أربع كورفيتات من طراز جوويند (Gowind).
والأهم من ذلك أن ثلاثاً من هذه الكورفيتات تم بناؤها داخل ترسانة الإسكندرية في إطار برنامج لنقل التكنولوجيا، بما عزز قدرات مصر على التصنيع البحري العسكري، ولم يقتصر التعاون على شراء المعدات فقط.
عندما وصلت المنطقة إلى حافة المواجهة
برزت أهمية الشراكة المصرية الفرنسية خلال الأزمة الإقليمية التي اندلعت مطلع عام 2026، عقب اتساع نطاق المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
وخلال أقل من عشرة أيام، نفذت فرنسا واحدة من أكبر عمليات الانتشار العسكري في المنطقة، شملت:
* أكثر من 4 آلاف جندي.
* تنفيذ أكثر من 200 طلعة جوية بواسطة مقاتلات رافال.
* نقل ما يزيد على 1300 طن من المعدات العسكرية.
* إعادة توجيه حاملة الطائرات شارل ديغول من مناورات لحلف الناتو في بحر البلطيق إلى شرق البحر المتوسط، بعد رحلة تجاوزت 7 آلاف كيلومتر، وعلى متنها نحو 20 مقاتلة رافال بحرية، وطائرات الإنذار المبكر E-2C Hawkeye، إلى جانب فرقاطات وسفن مرافقة.
وأكدت باريس أن انتشارها العسكري جاء في إطار حماية حلفائها وتأمين خطوط الملاحة، دون الانخراط المباشر في النزاع.
وبحلول الربع الثاني من عام 2026، أصبحت فرنسا صاحبة أكبر انتشار عسكري غربي يمتد من شرق البحر المتوسط إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي، مع تركيز خاص على حماية الملاحة البحرية والاستعداد لأي تطورات محتملة في مضيق هرمز.
دور دبلوماسي موازٍ
لم يقتصر الدور الفرنسي على الانتشار العسكري، بل امتد إلى النشاط الدبلوماسي.
ففي 17 أبريل 2026، استضاف الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مؤتمراً في قصر الإليزيه ضم نحو خمسين دولة، بهدف دعم حرية الملاحة في مضيق هرمز، في ظل التهديدات التي تعرض لها الممر البحري الحيوي.
ويمثل استقرار المضيق أهمية مباشرة لمصر، نظراً للارتباط الوثيق بين حركة الملاحة في هرمز وقناة السويس، التي تعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.
وبعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026، واصلت باريس جهودها الدبلوماسية لدعم تنفيذ الاتفاق، والعمل على ضمان إعادة فتح مضيق هرمز بشكل مستدام، ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية، والدفع نحو ضمانات قابلة للتحقق بشأن البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني.
وقد عزز هذا النهج مكانة فرنسا كشريك موثوق بالنسبة للقاهرة، يجمع بين النفوذ العسكري والدبلوماسية الهادئة دون السعي إلى فرض إملاءات أو التصعيد.
شراكة تتجاوز صفقات السلاح
ثلاثة عقود من التدريبات العسكرية المشتركة، وشراكة استراتيجية أُطلقت رسمياً في عام 2025 ودخلت مرحلة التنفيذ العملي في 2026، وتعاون أسهم في بناء جزء مهم من القدرات الجوية والبحرية المصرية، إضافة إلى نقل التكنولوجيا العسكرية وتعزيز التصنيع المحلي.
وبالنسبة للقاهرة، أصبحت العلاقة مع باريس نموذجاً لشراكة استراتيجية متوازنة؛ شراكة تسهم في تطوير القدرات الدفاعية المصرية وتعزيز الأمن الإقليمي، مع الحفاظ الكامل على استقلال القرار الوطني والسيادة المصرية.


